حذّر أكاديمي متخصص في القانون الدولي من تسارع الإجراءات والتعديلات الإسرائيلية الرامية إلى إحكام السيطرة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، معتبراً أنها تمثّل تحوّلاً قانونياً منظّماً يهدف إلى تكريس نظام الفصل العنصري وتصفية حق تقرير المصير، وصولاً إلى تحويل السلطة الفلسطينية إلى كيان خدمي بلا سيادة سياسية.
وحذّر أستاذ العلوم السياسية والقانون الدولي في جامعة السويس، د. هيثم عمران، من خطورة القرارات والتعديلات القانونية الإسرائيلية المتلاحقة الهادفة إلى فرض سيطرة كاملة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، مؤكداً أن هذه الإجراءات تسعى إلى تكريس نظام الفصل العنصري وإنهاء حق الفلسطينيين في تقرير المصير.

د. هيثم عمران
ووصف عمران تلك القرارات بأنها "ثورة قانونية صامتة" في الضفة الغربية، تستهدف نقل السيطرة من الإدارة العسكرية التي يفرضها قانون الاحتلال إلى إدارة مدنية تتبع مباشرة للوزارات الإسرائيلية، بما يمهّد لضمٍّ فعلي للأراضي الفلسطينية.
وأوضح أن هذه التحولات تتزامن مع طرح حكومة الاحتلال تصوراتٍ لما يُسمّى بـ"اليوم التالي" في غزة وصلاحيات "اللجنة الوطنية لإدارة القطاع"، مشدداً على أن ما يجري لا يُعد تغييراً بيروقراطياً عادياً، بل جريمة ضمّ مكتملة الأركان تستهدف تصفية حق تقرير المصير الفلسطيني.
وجاءت تصريحات عمران في ورقة بحثية نشرها عبر صفحته على موقع "فيسبوك"، عقب مصادقة المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت) على سلسلة قرارات وُصفت بالخطيرة، وتهدف إلى إعادة تشكيل إدارة الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وتعزيز التوسع الاستيطاني ومشروع الضم.
وتتضمن القرارات السماح بهدم المباني الفلسطينية حتى في المناطق المصنفة "أ" وفق اتفاق أوسلو والخاضعة إدارياً للسلطة الفلسطينية، وتشديد ملاحقة المنشآت غير المرخصة في مناطق "أ" و"ب" بذريعة حماية المواقع الأثرية، بما يتيح مصادرة الأراضي وتنفيذ عمليات هدم واسعة.
عدوان قانوني
اعتبر عمران أن القرارات الإسرائيلية لا تمثل خرقاً للقانون الدولي فحسب، بل عدواناً قانونياً منظّماً لخدمة مشروع "الحسم" الإسرائيلي.
وأشار إلى أن نقل الصلاحيات إلى وزارات مدنية إسرائيلية يُعد، وفق اتفاقية جنيف الرابعة، تجاوزاً لوضع القوة المحتلة بوصفها مديراً مؤقتاً للأرض، ويعني عملياً التعامل مع الضفة الغربية كأرضٍ خاضعة للسيادة الإسرائيلية، وهو ما يشكّل خرقاً جسيماً لقوانين الحرب ينقل الوضع من احتلالٍ مؤقت إلى استعمار فعلي.
اقرأ أيضًا: الضفة الغربية… قرارات "الكابينت" تعمّق مسار الضم وتضيّق الأفق السياسي
كما شدّد على أن القانون الدولي، وخصوصاً قرار مجلس الأمن 2334، يحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة، معتبراً أن تغيير الطابع الديموغرافي والجغرافي عبر قوانين التخطيط الجديدة يُعد انتهاكاً لمبدأ عدم جواز الضمّ المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة.
ورأى أن خطورة الإجراءات لا تقتصر على الأرض والحقوق الفلسطينية، بل تمتد إلى تقويض اتفاق أوسلو وضرب الشخصية القانونية للسلطة الفلسطينية عبر سحب صلاحياتها الإدارية في مناطق "أ" و"ب"، بما يحوّلها من مشروع دولة إلى "بلدية كبرى" تقدّم خدمات بلا سيادة.
خيارات المواجهة القانونية
وأكد عمران أن البيانات الدبلوماسية لم تعد كافية، وأن المواجهة انتقلت إلى ساحة الاشتباك القانوني الدولي، داعياً إلى تقديم ملفات عاجلة للمحكمة الجنائية الدولية ضد المسؤولين الإسرائيليين المتورطين في الاستيطان ونقل الصلاحيات الإدارية، باعتبارها جرائم حرب مستمرة لا تسقط بالتقادم.
كما دعا إلى البناء على الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في يوليو/تموز 2024، والذي اعتبر الاستيطان في الضفة الغربية والقدس انتهاكاً للقانون الدولي، والعمل على استصدار قرار أممي يُلزم الدول بعدم الاعتراف بالإدارة المدنية الجديدة أو التعامل معها مؤسسياً واقتصادياً.
وشدّد على أهمية تفعيل مبدأ عدم الاعتراف بالوضع الناشئ عن الضم، ومنع أي دعم يرسّخ هذا الواقع، بما في ذلك استثناء منتجات المستوطنات من الاتفاقيات التجارية واعتبار الأختام الصادرة عن الإدارة المدنية غير معترف بها دولياً.
اقرأ أيضًا: حماس: قرارات "الكابينت" تهدف لتوسيع الإبادة وتصفية الوجود الفلسطيني
كذلك أشار إلى إمكانية استخدام الولاية القضائية العالمية لملاحقة المسؤولين الإسرائيليين أمام محاكم دول تسمح قوانينها بمحاكمة الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي، إضافة إلى ملاحقة الشركات الدولية المتورطة في دعم الاستيطان استناداً إلى مبادئ الأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان.
ورأى أن تصاعد الضغط القانوني قد يقيّد حركة المسؤولين الإسرائيليين دولياً ويؤثر في حسابات الأطراف الإقليمية والدولية، خصوصاً في ظل تحولات سياسية مرتبطة بالإدارة الأمريكية والسعي إلى ترتيبات إقليمية جديدة.
وخَلُص عمران إلى أن المعركة الدائرة في الضفة الغربية هي معركة شرعية قانونية بالدرجة الأولى، مؤكداً أن القانون الدولي، رغم افتقاره إلى أدوات تنفيذ فورية، يظل السلاح الأهم لنزع الغطاء عن أي واقع يفرض بالقوة، محذّراً من أن الصمت الدولي على الضم الإداري اليوم قد يقوّض منظومة القانون الدولي مستقبلاً.
ويُذكر أن جذور الحديث عن ضمّ الضفة الغربية تعود إلى ما بعد عام 1967، حين طرحت (إسرائيل) الفكرة ضمن إستراتيجية تهدف إلى فرض أمر واقع تعتبر فيه الأراضي المحتلة جزءاً من سيادتها دون اتفاق سياسي مع الطرف الفلسطيني.

